محمد سعيد رمضان البوطي

193

فقه السيرة ( البوطي )

والأمانة في المسلمين وكانت الحاجة داعية إلى الاستعانة به جاز ، وإلا فلا « 1 » . ولعل هذا هو المتفق مع القواعد ومجموع الأدلة ، إذ روي أنه عليه الصلاة والسلام قبل معونة صفوان بن أمية يوم حنين ، والمسألة على ذلك داخلة في إطار ما يسمى بالسياسة الشرعية ، وسنذكر الفرق بين ما فعله الرسول في حنين وما فعله في كل من بدر وأحد ، في مناسبته إن شاء اللّه . رابعا : ومما يجدر التأمل فيه ، حال سمرة بن جندب ورافع بن خديج ، وهما طفلان لا يزيد عمر كل منهما على خمس عشرة سنة ، وكيف جاآ يناشدان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أن يسمح لهما بالاشتراك في القتال ، وأي قتال ؟ ! . قتال قائم على التأهب للموت ، لا تجد فيه أي معنى من التعادل بين الفريقين : المسلمون وعددهم لا يزيد على سبعمائة ، والمشركون وهم يتجاوزون ثلاثة آلاف مقاتل . والعجب حقا أن يقف بعض محترفي الغزو الفكري على مثل هذه الظاهرة ، فيذهبوا في تحليلها إلى أن العرب كانوا أمة تعيش في ظل الحروب والغزوات الدائمة ، فكانوا ينشؤون في أجوائها وظروفها ، ولذلك كانوا ينظرون إليها ( شيبا وشبانا وأطفالا ) نظرة طبيعية لا تسبب لهم قدرا بالغا من المخاوف . لا ريب أن أرباب هذا التحليل ، يغمضون أعينهم في إصرار عجيب ، أثناء هذا الكلام عن تخاذل أمثال عبد اللّه بن أبيّ بن سلول مع ثلاثمائة من أصحابه ، تحت وطأة الخوف من عواقب القتال ، والرغبة في الجنوح إلى السلامة والأمن ، وعن تخاذل أولئك الآخرين الذين استعذبوا ظل المدينة وثمارها ومياهها وسط حرارة الصيف ، وأعرضوا عن نداء رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بالخروج والقتال ، قائلين : لا تنفروا في الحر . . بل وعن هزيمة المشركين في غزوة بدر ، على الرغم من ضخامة عددهم وقلة المسلمين ، ووقوع الرعب في أفئدتهم ، وهم هم العرب الذين نشأوا في ظلال الحروب ورضعوا ألبانها واستهانوا بصعابها . من الصعوبة البالغة للمنصف أن يتهرب عما تحكم به البداهة الواضحة ، من أن سر هذا الإقدام على الموت من مثل هؤلاء الأطفال ، إنما هو الإيمان العظيم الذي استحوذ على القلب ، والذي ترتبت عليه محبّة عارمة لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم . فحيثما وجد الإيمان ووجدت هذه المحبة ، ظهر هذا الإقدام والاستبسال ، وحيثما ضعف الإيمان ، وضعفت

--> ( 1 ) انظر مغني المحتاج : 4 / 221 .